محمد بن جرير الطبري

325

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أسباط ، عن السدي : " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " . أمَّا " باغ " ، فيبغي فيه شهوته . وأما " العادي " ، فيتعدى في أكله ، يأكل حتى يشبع ، ولكن يأكل منه قدر ما يُمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته . * * * قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : فمن اضطر غير باغ بأكله ما حُرم عليه من أكله ، ولا عاد في أكله ، وله عن ترك أكله - بوجود غيره مما أحله الله له - مندوحة وغنى . وذلك أن الله تعالى ذكره لم يرخّصْ لأحد في قتل نفسه بحال . وإذ كان ذلك كذلك ، فلا شك أن الخارجَ على الإمام والقاطعَ الطريقَ ، وإن كانا قد أتيا ما حرَّم الله عليهما = : من خروج هذا على من خرج عليه ، وسَعي هذا بالإفساد في الأرض ، = فغيرُ مبيح لهما فعلهما ما فعلا مما حرّم الله عليهما - ما كان حرّم الله عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من ذلك - من قتل أنفسهما . [ ورَدُّهما إلى محارم الله عليهما بعد فعلهما ، ما فعلا وإن كان قد حرم عليهما ما كان مرخصا لهما قبل ذلك من فعلهما ، وإن لم نرَ رَدَّهما إلى محارم الله عليهما تحريما ، ( 1 ) فغير مرخِّص لهما ما كان عليهما قبل ذلك حرامًا ] . فإذ كان ذلك كذلك ، فالواجبُ على قُطاع الطريق والبغاة على الأئمة العادلة ، الأوبةُ إلى طاعة الله ، والرجوعُ إلى ما ألزمهما الله الرجوع إليه ، والتوبةُ من معاصي الله - لا قتلُ أنفسهما بالمجاعة ، فيزدادان إلى إثمهما إثمًا ، وإلى خلافهما أمرَ الله خلافًا . ( 2 )

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وإن لم يؤدهما إلى محارم الله عليهما تحريمًا " . وهو تصحيف مفسد قد آذى من أراد أن يفهم عن الطبري ما يقول . و " المحارم " : كل ما حرم الله سبحانه علينا فهو من محارم الله . وانظر التعليق التالي . ( 2 ) هذه الفقرة رد على القول الأول ، قول من ذهب إلى أن " الباغي " هو الخارج على الأئمة ، وأن " العادي " هو قاطع الطريق ، وأنهما لفعلهما ذلك مستثنيان من حكم الآية في الترخيص للمضطر أن يأكل مما حرم الله عليه . ولكن العبارة في الأصل فاسدة ، لا يكاد يكون لها معنى . ولم أستجز أن أدعها في الأصل على ما هي عليه . وهكذا كانت في الأصل : [ بل ذلك من فعلهما ، وإن لم يؤدهما إلى محارم الله عليهما تحريمًا ، فغير مرخص لهما ما كان عليهما قبل ذلك حراما ] . وهو كلام لا يستقيم ، وقد اجتهدت فرأيت أنه سقط من ناسخ كلامه سطر كامل فيما أرجح ، بين قوله : " من قتل أنفسهما " وقوله : " قبل ذلك من فعلهما " فبقيت " قبل " وحدها ، فجاء ناسخ آخر فلم يستبن معنى ما يكتب ، فجعل " قبل " " بل " ، ظنًا منه أن ذلك يقيم المعنى على وجه من الوجوه . فاضطرب الكلام كما ترى اضطرابًا لا يخلص إلى شيء مفهوم . وزاده فسادًا واضطرابًا تصحيف قوله : " وإن لم نر ردهما " بما كتب : " وإن لم يؤدهما " ، فخلص إلى كلام ضرب عليه التخليط ضربًا ! وقد ساق الطبري في هذه الفقرة حجتين لرد قول من قال إن الباغي هو الخارج على الإمام ، وإن العادي هو قاطع السبيل . فالحجة الأولى : أن الباغي والعادي ، وإن كان كلاهما قد أتى فعلا محرمًا ، فإن إتيان هذا الفعل المحرم ، لا يجعل قتل أنفسهما مباحًا لهما ، إذ هو محرم عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من محارم الله عليهما . والحجة الأخرى : أن الله قد رخص لكل مضطر أن يأكل مما حرم عليه ، فاستثناء الباغي والعادي من رخصة الله للمضطر . لا يعد عنده تحريمًا ، بل هو رد إلى ما كان محرمًا عليهما قبل البغي أو العدوان . ومع ذلك فإن هذا الرد إلى ما كان محرمًا عليهما ، وإن كان قد حرم عليهما ما كان مرخصًا لهما ولكل مضطر قبل البغي والعدوان ، فإنه لا يرخص لهما قتل أنفسهما ، وهو حرام عليهما قبل البغي والعدوان . وإذن ، فالواجب عليهما أن يتوبا ، لا أن يقتلا أنفسهما بالمجاعة ، فيزدادان إثمًا إلى إثمهما ، وخلافًا إلى خلافهما بالبغي والعدوان أمر الله .